الغزالي

179

إحياء علوم الدين

وملاحظة الغيب ، ولا يبعد أن يكون السماع سببا لكشف ما لم يكن مكشوفا قبله فإن الكشف يحصل بأسباب منها التنبيه والسماع منبه ومنها تغير الأحوال ومشاهدتها وإدراكها ، فإن إدراكها نوع علم يفيد إيضاح أمور لم تكن معلومة قبل الورود ومنها صفاء القلب ، والسماع يؤثر في تصفية القلب ، والصفاء يسبب الكشف ومنها انبعاث نشاط القلب بقوة السماع ، فيقوى به على مشاهدة ما كان تقصر عنه قبل ذلك قوته ، كما يقوى البعير على حمل ما كان لا يقوى عليه قبله ، وعمل القلب الاستكشاف وملاحظة أسرار الملكوت ، كما أن عمل البعير حمل الأثقال فبواسطة هذه الأسباب يكون سببا للكشف بل القلب إذا صفا ، ربما يمثل له الحق في صورة مشاهدة ، أو في لفظ منظوم يقرع سمعه ، يعبر عنه بصوت الهاتف ، إذا كان في اليقظة ، وبالرؤيا إذا كان في المنام ، وذلك جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة وعلم تحقيق ذلك خارج عن علم المعاملة ، وذلك كما روى عن محمد بن مسروق البغدادي أنه قال : خرجت ليلة في أيام جهالتي وأنا نشوان ، وكنت أغنى هذا البيت بطور سيناء كرم ما مررت به إلا تعجبت ممن يشرب الماء فسمعت قائلا يقول : وفي جهنم ماء ما تجرعه خلق فأبقى له في الجوف أمعاء قال فكان ذلك سبب توبتي ، واشتغالي بالعلم والعبادة ، فانظر كيف أثر الغناء في تصفية قلبه ، حتى تمثل له حقيقة الحق في صفة جهنم في لفظ مفهوم موزون وقرع ذلك سمعه الظاهر وروى عن مسلم العبادانى أنه قال : قدم علينا مرة صالح المري ، وعتبة الغلام وعبد الواحد بن زيد ، ومسلم الأسوارى ، فنزلوا على الساحل قال فهيأت لهم ذات ليلة طعاما فدعوتهم إليه فجاؤوا ، فلما وضعت الطعام بين أيديهم إذا بقائل يقول رافعا صوته هذا البيت : وتلهيك عن دار الخلود مطاعم ولذة نفس غيها غير نافع